ابن النفيس

19

المختار من الأغذية

لكن الثابت في أمر أبقراط ، أنه نجح في مجالات الفن العلاجي ، واستخدم العديد من المسهّلات والمقيّئات والحقن الشرجية والفصد ( وهو ما سيعرف عند الأطباء المسلمين بمبحث الاستفراغات ) وأنه كان في علم العلاج أقرب إلى تنظيم الغذاء منه إلى وصف العقاقير ، وأنه كان يعالج الأمراض الحارة بالأغذية الباردة ، وبالعكس ، وأنه اهتم كثيرا بعلاج حالات الكسر باستخدام الجبائر ، وكل هذه الفنون العلاجية يصعب القول إن أبقراط ابتدعها ابتداعا ، فقد كانت معروفة في الحضارات السابقة عليه ، لكن الأطباء المسلمين سوف يعرفونها عن طريق أبقراط « 1 » ؛ لذا سنراهم يحترمونه احتراما شديدا ، ويطلقون عليه لقب : الفاضل « 2 » . وكان جالينوس يعرف أيضا عند المسلمين بلقب ( الفاضل ) وإن كانت مرتبته تلي مرتبة أبقراط عندهم « 3 » . وقد سطع نجم جالينوس في القرن الثاني الميلادي ، وهو الوقت الذي كانت الإسكندرية فيه ( العاصمة الثقافية للعالم القديم ) وترك جالينوس مجموعة كبيرة من المؤلفات والشروح على كتب أبقراط ، قام الإسكندرانيون بالعناية بها ، وانتخبوا منها مجموعة عرفت باسم : جوامع الإسكندرانيين « 4 » .

--> ( 1 ) في مقابل زعم المؤرخين الغربيين أن العرب كانوا مجرد ( قنطرة ) عبرت عليها علوم اليونان إلى أوروبا لتعود إليهم مرة أخرى ، يمكن القول إن اليونان كانت أيضا ( قنطرة ) عبرت عليها علوم الشرق لتعود إليهم مرة أخرى . . لكننا لا نود هنا أن ننساق وراء هذا التعصب الحضاري الذي يجافي التاريخ النزيه للعلم ، ولعلنا نستطيع معاودة تناول هذه النقطة في بحث نجعله بعنوان ( الأصول الشرقية للطب اليوناني ) لا لشيء ، إلا لتصير الأمور واضحة في الأذهان . ( 2 ) راجع ترجمات أبقراط في المصادر الإسلامية ، حيث تتضح نظرة التبجيل التي نظرها مؤرخو العرب والمسلمين لأبقراط ، ومن هذه المصادر : مختصر آداب الفلاسفة ص 120 - الفهرست 346 - طبقات الأطباء لابن جلجل 16 - إخبار العلماء 64 - عيون الأنباء 43 - نزهة الأرواح 196 - تاريخ مختصر الدول 85 . ( 3 ) بخصوص نظرة الأطباء المسلمين لجالينوس ، يمكن الرجوع إلى ترجمته بالمصادر الآتية : آداب الفلاسفة 122 ، الفهرست 347 ، طبقات الأطباء 41 ، إخبار العلماء 85 ، عيون الأنباء 109 ، نزهة الأرواح 247 ، تاريخ مختصر الدول 122 . ( 4 ) تضم هذه الجوامع ( أو المنتخبات ) ستة عشر كتابا لجالينوس ، وتشكل فيما بينها دائرة معارف طبية ، وهذه المؤلفات هي : فرق الطب ، الصناعة الصغيرة ، النبض إلى طوثرن ، التأتي لشفاء الأمراض ، المقالات الخمس في التشريح ، الإسطقسات ، المزاج ، القوى الطبيعية ، العلل والأعراض ، تعرّف علل الباطنة ، النبض الكبير ، الحمّيات ، البحران ، أيام البحران ، تدبير الأصحاء ، حيلة البرء . وكانت هذه الجوامع عند المسلمين ، بمثابة المقرر الدراسي الذي لا بد لكل طلاب الطب أن يدرسوه ، وأضافوا لها اثني عشر كتابا لأبقراط ، هي : الفصول ، تقدمة المعرفة ، الأجنّة ، طبيعة الإنسان ، الأهوية والمياه والبلدان ، الأمراض الحادة ، أوجاع النساء ، المرض الوافد ( إبيذيميا ) ، الغذاء ، حانوت الطبيب ( قاطيطرون ) ، الأخلاط ، الكسر والجبر .